عبد القاهر بن طاهر البغدادي
138
الملل والنحل
لو فعل الجور والكذب ما كان العقل موجودا ، وكان واقعا لمجنون أو منقوص . - فقالوا له : كأنك تقول انه انما يقدر على ظلم المجانين ولا يقدر على ظلم العقلاء . وافترقوا يومئذ على تكفير بعضهم بعضا . ولما انتهت نوبة الاعتزال إلى الجبائي وابنه امسكا عن الجواب في هذه المسألة بنعم أو لا « 1 » . وقال أصحاب أبي هاشم : من قال لنا هل يصح وقوع ما يقدر اللّه عليه من الظلم والكذب ؟ - قلنا : يصح ذلك ، لأنه لو لم يصح وقوعه منه لم يكن قادرا عليه ، لأنه لا يقدر على المحال . - فان قال : فلم يجز « 2 » / وقوع ذلك منه - قلنا : لعلمه بقبحه وغناه عنه . - فان قال : أرأيت لو وقع منه مقدوره من الظلم والكذب هل كان وقوع ذلك منه دليلا على جهله أو حاجته ؟ - قلنا : محال ذلك . لأنا قد علمناه عالما غنيا . - فان قال : فهل يجوز ان يقال وقوع ذلك منه الا على جهله أو حاجته ؟ - قيل : لا يوصف بذلك من حيث عرفنا دلالة الظلم على جهل وحاجة بنفي ولا اثبات . - قلنا له : كذلك نقول . فهؤلاء قد أقروا بالعجز عن الجواب في هذه المسألة ، ولو وفقوا للصواب ورجعوا إلى قولنا بان اللّه عز وجل قادر على كل مقدور له لو وقع منه لم يكن جورا ، وحالوا عليه الكذب كما أحلناه ليحصلوا من هذه الاكرام . والحمد للّه الذي أنقذنا من ضلالاتهم التي صاروا من اجلها حيارى كاليهود والنصارى « 3 » . ذكر فرق الضلال من المرجئة ان المرجئة اليوم ثلاثة أصناف ، صنف منهم قد جمعوا بين الارجاء في الايمان وبين القدر ، على مذاهب المعتزلة ، كغيلان ، وأبي شمر واتباعهما . فهؤلاء مرجئة قدرية جامعة بين كفري الأرجاء والقدر .
--> ( 1 ) الحوار المذكور هنا بين المعتزلة السبعة وارد في كتاب « الفرق » ( ط . بدر ص 186 ، الكوثري ص 119 - 121 ، عبد الحميد ص 198 - 201 ) . ( 2 ) في المخطوط : فلم يجوز . ( 3 ) ما جاء هنا في خاتمة الكلام عن المعتزلة ورد بذات المعنى في كتاب « الفرق » ( ط . بدر ص 188 - 189 ، الكوثري ص 121 - 122 ، عبد الحميد ص 200 - 201 ) .